المدينة الحجرية *** دلندا الحسن
09/10/2013 12:30 م
المدينة الحجرية


    ها أنا أتجول في صمت الليل الشتوي ... وحيداً في شارع طويل يضيق كلما مشيت فيه أكثر ، فيه منازل مبنية من الأحجارالجبلية ذات أحجام وأشكال متعددة ودرجات لونية متباينة ، منازل انعكست حجارتها الصلبة على نفوس ساكنيها ، كنت أتأمل أنوار المنازل الموجودة على جانبي الطريق بألوانها الصفراء والبيضاء ، اختلس النظر للشبابيك ذات الزجاج الأخضر والأزرق ، فأرى أفراد أسرة مجتمعة على مائدة العشاء ، أتعجب من برودة أعينهم وهم يحدقون في وجوه بعضهم ثم ينقلون نظراتهم الى صحونهم بطريقة آلية جف منها الدفء والحنان ، فهم يبدون كالآلات التي تؤدي الواجب المنزلي .
أما المنزل الواقع على الجانب الأيسر ففيه فتاة صغيرة تقف على حوض الصحون ، تقلب الصحون بكفيها الصغيرين والدمع ينهمر على أسيل خديها الورديين ، حاولت أن أتخيل سبب بكائها لكني لم أعرف ، حزنت لتلك الفتاة ... استمريت بالمشي ولكن الشارع أخذ بالصعود رويدا رويدا ، ثم أخذ يزيد من حدته وأنا بالكاد ألتقط أنفاسي وأحرك أرجلي علني أستطيع مع هذا الطقس البارد والضباب الذي يلف المكان أن أصل إلى نهاية الشارع الغارق ببرد الشتاء ، أهرول قليلا علي أدفيء جسدي المبلول ،  أتجول في الطرقات ، أنظر للنوافذ ، أطالع الوجوه ، وفي غفلة مني وأنا أجتاز الشارع هاجمني ضوء سيارة كبيرة مصحوبا بصوت بوق يصم الآذان لأجرى بسرعة ، وأحس بأن قلبي يقفز من جنباتي رعبا لأصل للرصيف. عاودت المشي وساقتني خطواتي إلى شارع مليئ بأشجار الصنوبر التي كانت الرياح الباردة تراقصها رقصة إجبارية عنيفة ، عجيب ... فأنا لا أشم رائحة الصنوبر في الشتاء ، فالشتاء يجعل كل شيء باهتا بلا لون أو رائحة ، حيث تختنق فيه ذاكرة الحواس .
عند المنعطف إلى اليمين مساحة من أرض صماء , فيها بيت شعر للبدو ، كانوا متحلقين كالفراشات  حول ضوء مصباح الزيت ، وبقربهم حظيرة للأغنام ، فصرخت في وجه حارسهم  ذو الأربعة أرجل فقد رمقني بحدة بعينيه الحمراوين ، ولكن ذلك لم يمنعني من أن أصرخ في وجهه مرة  تلوى الأخرى .
هرولت حتى وصلت  إلى الشارع الرئيسي لأجد منزلا جميلا ، لكن هناك شيئ غريب قرب نافذة الغرفة الأرضية يتحرك بحذر ، فصرخت بأعلى صوتي عل أصحاب المنزل ينتبهون ، صرخت ودرت حول المنزل وأنا أسمع صدى صراخي يتردد في السكون الشتوي الغارق بالصمت والركود السرمدي ، لأجد حجرا كبيرا قد سقط على رأسي من حارس المنزل ، دارت الدنيا بي ، وسقطت وأنا أشعر بالغثيان ، تمالكت نفسي وحاولت النهوض لأجد دمائي على الأسفلت تركض مع انحناءات الشارع .
لسعني البرد ، وأنا أئن متألما ليس من جرحي ، ولكن لخوفي على سكان المنزل أن يصيبهم مكروه من الأرواح الشريرة التي تترصدهم قرب النافذة.
مشيت وتعثرت بخطواتي ، وخيط رفيع من الدم يجر أذياله ببطء ورائي ليرسم خارطة الطريق .
عند نهاية الشارع وإلى اليسار ، وجدت باب مرآب أحد المساكن مفتوحا ، دخلت فيه مسرعا ، مررت بين السيارتين المصطافتين ، وصعدت ثلاث درجات رخامية ، وتمددت بجسدي الجريح قرب الشجر ، وقبل أن يطأ جسدي الأرض ذهبت في نوم عميق جدا.
في الصباح ... استيقظت غادة ربة البيت وأعدت القهوة لتحتسيها مع زوجها ، يقررالاثنان أن يقوما بتفقد أشجار الحديقة ، ويهمان بالخروج من باب الحديقة القريب من المرآب ، فجأه يقفان مكانهما ،  يتخايلان عبر زجاج الباب جسدا ممدا على الأرض .
تهمس غادة بخوف :
•   غسان ... ما هذا ؟
وبحركة سريعة يفتح المزلاج ويدفع بيديه الباب ليثب فجأة كلب جريح ذو شعر بني طويل ، وقد غمرت دماؤه المكان ، لقد ظل طوال الليل ينزف في المرآب.
ذعر الإثنان وتراجعا للخلف .
لم يرد الكلب أن يخيفهما بمنظره المأساوي ، وقف بصعوبة ، وأدار نفسه متوجها خارج المرآب.
وبيأس خرج الكلب والدمع الرقيق يملأ عينيه ، نادى عليه غسان بصوت عال ، يريد ان يضمد جرحه ، ولكن ....
خرجت وأنا أجر نفسي , ودمائي تلونني ، لكن عيني مرفوعتين للسماء ترجو الله أن تتنزل المودة والرحمة على قلوب البشر. 


  • Share on Google+
  • Print
شارك برأيك
الاسم  
البريد الإلكتروني    
نص التعليق  
التعليقات